الرقمنة


من أجل تحوّل رقمي حقيقي لتونس

الرهانات:

 يعتبر بروز العصر الرقمي أهم تحدي عالمي للقرن 21، حيث غيّر كافة مجالات وجودنا وسجّل قطيعة مع الطرق التقليدية للتفكير والإنجاز. وقد أصبحت التكنولوجيات الحديثة حاضرة حاليا في المجالات الاقتصادية وأيضا في المجالات الاجتماعية لمجتمعنا.

 الأنترنات والحوسبة السحابية والواقع الافتراضي والواقع المعزّز وأنترنات الأشياء والبيانات الضخمة والبيانات المفتوحة والمؤسسات الناشئة، تعدّ كلها محركات تغيير للاقتصاد الحالي، كما تمثل تحديات هامة للفاعلين العموميين والمؤسسات والمنظمات للعالم كله. وحيث أنها تحدث قطيعة، تم اعتبارها "ثورة رقميّة" أو "الثورة الصناعية الرابعة".

 وفي هذا السياق، تساهم تكنولوجيات المعلومات والاتصال والتكنولوجيات الرقمية في تسريع نسق التجديد ونشر السلع والخدمات على الصعيد الكوني. ومن بين تأثيراتها أيضا أنها تحوّل طرق الإنجاز وتضفي إلى أنشطة اقتصادية جديدة. فهذه التكنولوجيات أصبحت اليوم في صميم نموّ وتنافسية المؤسسات والمنظمات الدولية. إن سرعة التغييرات التي يحدثها المجال الرقمي وتشعّبها، تجبرنا على أن نستبق وأن نتخذ إجراءات واقعية وصياغة تدخلات محددة وتكييف طرق عملنا. ويتعيّن على تونس أن تنخرط كليا في هذا الواقع الجديد، كما يستوجب علينا استغلال هذه الفرصة الرائعة للنموّ بالنسبة للمواطنين والشغالين وأيضا بالنسبة للمؤسسات.

 إن التحوّل الرقمي لتونس سيمكن من تدعيم الشفافية ومقاومة الفساد وتثمين المصالح العمومية، كما سيساهم في رفاه المواطن وفي تكوين الشباب والشغالين في المهن الجديدة وفي تحسيس مؤسساتنا بأهمية أخذ المنعرج الرقمي. كما سيساهم في تحسين النفاذ للخدمات الصحيّة وفي تحقيق اشعاع أكبر لثقافتنا. وسيضمن هذا التحوّل الرقمي تناسق مجمل أعمال الحكومة بما يمكن من تسريع نسق إرساء ثقافة رقمية حقيقية. 

رؤية آفاق تونس:

 آفاق تونس مقتنع بأن التكنولوجيا الرقمية يجب أن يكون محرّك نموّ المؤسسات ورافعة قويّة لتطوير كل القطاعات الاجتماعية والاقتصادية لمجتمعنا. فتونس يجب أن ترتكز على اقتصاد متميّز وجاذب ومنفتح ومشهود به على مستوى الأسواق العالمية لاعتماده المعرفة ولبيئته الاقتصادية وتجديده.

 يجب علينا إرساء استراتيجية رقمية لتونس تكون مشروعا مجتمعيّا يهدف إلى تناسق كافة الأنشطة الحكومية بما يمكن من تسريع نسق الرقيّ في مختلف المجالات، ونشر ثقافة رقمية حقيقية، كل هذا بهدف الشفافية والانصاف بما يمكن من مجابهة الفساد وخاصة تيسير حياة المواطنين.

 يجب أن تكون هذه الاستراتيجية شاملة وأن تتم صياغتها بالتشارك مع المواطنين والخبراء والمؤسسات ومنظمات الأعراف والمنظمات النقابية والمجتمع المدني وفقا لحاجياتهم وتأملاتهم وأفكارهم. كل هذا بهدف تسريع نسق إرساء ثقافة رقمية حقيقية تمكن من إدخال طريقة جديدة للتفكير وللتعامل والتفاعل.       

 10 برامج رئيسية:

 1 - نحو حكومة رقميّة مفتوحة وشفافة وشاملة إن ظهور التكنولوجيات الرقمية سيوفر فرصا لتحسين شفافية الحكومة وسيمكن من إيجاد طرق جديدة أكثر شمولا للتحاور مع المواطنين، وهو ما سيؤدي إلى حوكمة رشيدة وإلى خدمات وسياسات أفضل، وإرساء مناخ ثقة في الحكومة وتحقيق الرفاه الاجتماعي والتطوّر الاقتصادي. يجب أن يتضمن مخطط العمل الخاص بهذه المهمة تحيين الأطر القانونية والترتيبية، وتدعيم طرق التصرف في الأرشيف العمومي، التفاعل بين قواعد بيانات كافة الإدارات التونسية، واعتماد المعرّف الوحيد لكل المواطنين.

2 – إعادة التفكير في الخدمات المتوفرة وتصميم كل خدمة جديدة بهدف تقديم تجربة رقمية تتمحور حول الفرد، عبر تقديم خبرات شخصية واستباقية ومبسّطة. ولهذه الغاية، سيتم وضع عدد من الإجراءات المصاحبة لفائدة المواطن، وأساسا تكوين المواطنين من مختلف الأعمار والفئات الاجتماعية في الاستعمالات الرقمية.

3 – توفير نفاذ أفضل لشبكات فاعلة وموثوق بها وذات سعة تدفق عالية تغطي كل الأراضي التونسية. ضمان سعة تدفق دنيا بـ 30 ميغابيت في الثانية بالنسبة للتحميل (download) وبـ 10 ميغابيت في الثانية بالنسبة للتنزيل (upload) موفى سنة 2025. إعادة تعريف الخدمة الشاملة ومشمولاتها بهدف الحدّ من الفجوة بين كافة الجهات التونسية: ربط كافة المنشآت العمومية ومؤسسات التعليم والمستشفيات والوحدات الأساسية للصحة وغيرها من الهياكل بشبكة الألياف البصرية.

4 – ضمان مناخ أعمال جاذب وملائم لتطوير المجال الرقمي. تحويل الخدمات العمومية باستعمالات مجدّدة للتكنولوجيات الرقمية، بما سيمكن من تقليص الحواجز الإدارية وتسهيل انتصاب المؤسسات، وتيسير نفاذها وخاصة الصغرى والمتوسطة منها إلى الشراءات العمومية. وإعطاء دفع جديد في اتجاه تبني ممارسات مثالية تشجع المؤسسات على الانطلاق في مسار تحوّلها الرقمي، وهو ما يشجع بصفة عامة على خلق المؤسسات المجدّدة وتطويرها.

5 – ضرورة إرساء برنامج جديد لتمويل تركيز البنية التحتية الرقمية المناسبة بالنسبة للخواص والمنظمات والمؤسسات بالمناطق الريفية بهدف تقليص الفجوة بين الجهات.

6 – تسريع التحوّل الرقمي للمؤسسات واعتمادها التجارة الالكترونية، بهدف مساعدتها على إرساء ثقافة الرقمي عبر تمكينهم من خدمات مصاحبة متخصصة.

7 – تبني مقاربة شاملة للأمن السيبرني ولحماية المعطيات الشخصية. في عصر الرقمنة، من الضروري تبني استراتيجية واضحة واستشرافية لحماية أنظمة معلوماتنا ضد كل أنواع الهجمات الالكترونية. فالأمن السيبرني يمكن أن يصبح وسيلة هامة تمكن المؤسسات من التجديد ومن أن تكون متفاعلة. كما أنه في بعض جوانب التجديد الرقمي، تكون السلامة والمراقبة والامكانيات ووسائل الثبوتية السلسة، أبعادا ضرورية لصياغة هذه الجوانب وتطويرها على مستوى السوق. تضع الدولة سياسة عامة للتحسيس بمشاكل الأمن السيبرني وذلك بالتشاور مع مختلف الفاعلين في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصال ومع المجتمع المدني.

8 – التسلح بالكفاءات الرقمية المطلوبة. تحديد الكفاءات المطلوبة والنهوض بالتكوين والمهن في المجال الرقمي. وضع برنامج وطني للتكوين المستمر في المجال الرقمي لفائدة موظفي الإدارات العمومية. ضبط مخطط عمل رقمي في قطاع التربية والتعليم العالي، باعتبار أن المتدربين يجب أن يكونوا في قلب الثورة الرقمية. مساندة تطوير الكفاءات الرقمية للشباب والكهول. استغلال التكنولوجيا الرقمية كقوّة دفع للقيمة المضافة في أعمال التعليم والتدريب.

9 – تحفيز التجديد في المجال الرقمي: تدعيم البحث لتطوير التجديد الرقمي الذي يستجيب لحاجيات المؤسسات. مساندة مشاريع التجديد الرقمي للمؤسسات الصغرى والمتوسطة. دعم برامج البحث والتجديد في البيانات الضخمة (Big Data) وفي الذكاء الاصطناعي. تشجيع التعاون بين المؤسسات والباحثين بهدف تيسير نقل نتائج البحث والتجديد. ضرورة وضع استراتيجية حقيقية للذكاء الاصطناعي مع سنة 2021.

10 – تحويل أكبر عدد ممكن من مدننا إلى مدن ذكية. تونس الغد الرقمية يجب أن تجد أساسها في هذه المدن. التصرّف البلدي والتنمية المدعومين بالمجال الرقمي سيمكنان من التحوّل نحو مدن أكثر ذكاء لفائدة متساكنيها. وباللجوء إلى التكنولوجيا الرقمية في إطار مدروس ومخطط، ستمكن المدن والبلديات من تحقيق اقتصاد في تصرفها، ومن تقديم خدمات جديدة وخدمات أفضل لمواطنيها، ومن تفعيل المشاركة المواطنية والديمفراطية، ومن مساعدة المنظمات والمؤسسات على تطوير ذاتها. للقيام بذلك، يتعيّن زيادة تمكّن البلديات من التكنولوجيا الرقمية وإثراء الخبرات العمومية في المجال الرقمي على المستوى البلدي.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.